نوستالجيا التجريد الغنائي في لوحات مارون الحكيم

تحت عنوان “منير وجه الأرض” يقدم التشكيلي اللبناني مارون الحكيم سلسلة جديدة من أعماله اللونية والنحتية في غاليري “إسكاب” (بيروت، الأشرفية). يحيل هذا العنوان إلى شعرية تشكيلية تحتضنها الأعمال وتجسدها. اللوحات العديدة الموزعة في أرجاء الغاليري تقدم مشهداً فريداً قوامه انبعاث الألوان وتلقائيتها.

الفرشاة الماهرة لمارون حكيم تعتمد على تدفق الألوان وتعول عليها. تدفق مقرون بالتراكم في الإنتاج الذي يختلف عن معارضه السابقة. اختلاف يبدو للمشاهد بتفاصيله الظاهرة، وأشيائه الجديدة، التي هي نتيجة البحث العميق في حياة الفنان وتجاربه وانفعالاته الداخلية. في حواره مع “اندبندنت عربية” يؤكد الحكيم: “إن هذه التجربة التي أقدمها اليوم هي خلاصات من معارضي السابقة. ففي التجربة الأخيرة كان التركيز على المأساة التي عانيناها نتيجة انفجار مرفأ بيروت. بالطبع هناك رواسب منها في هذا المعرض، ولكنها هي بواعث ما يعرض اليوم”.

الأعمال المنجزة قبل الانفجار هي وليدة تجربة لها علاقة بالحالة التي نشهدها من قلق ودمار وتكسرات. أعمال تقع بين مرحلتين، أولى ماضية وثانية هي قيد الانصهار في تجربة الحكيم التشكيلية. إذاً هي لحظة تأمل بين حياتين. يبتعد من خلالها المشاهد عن الهم لبرهة ومن ثم يعود. عودة حماسية لإنسان لا يستطيع أن يكون حيادياً.

بالعودة للوحات نراها موزعة على صالة واحدة في تناسق تام. هي عبارة عن مختبر لمجموعة مركبة من الألوان المائلة والمطواعة. بل هي تجسد تجربة الخروج على النسق، في تموجات أكثر حركة وموغلة في التفاصيل. لطخات بطريقة مختلفة، تنحو باتجاه التنقيط والتمويه في الأشكال وتغييبها ضمن سياقاتها. الناظر إلى اللوحات يجدها ذريعة لقيام لوحة شبه تجريدية، مقدمة للدخول في التجريد الغنائي الخارج من عمق المعنى ومن الحلم.

ألوان حكيم المطواعة تنتهي إلى عالم علوي يعج بظلال الأرض والسماء، فيخال الناظر إليها أنه أمام ذاكرة منبعثة من الوجدان، أو رحلة تداع حر. كل ما تقدمه قراءتها هو السكون. مساحات ساكنة ومتحركة، من النور والمدى ومساحات أخرى من اللطخ الحي والتبقيع. تلك أيضاً هي السقوف والسماوات الزرقاء والزهرية المذيلة ببقع لونية حرة، كأنها بصمات المدى. بصمات يراها الناظر للوهلة الأولى ويشعر بأنه أمام أعمال تبقيعية تنقيطية انطباعية، إلا أن تأملها يفصح عن فن بارع، مدروس ومدوزن يعرف أين يبدأ ومتى ينتهي. لو صح وصف اللوحة أنها تشتغل على الذاكرة وتربطها بالحاضر لكانت هي كذلك.

الضربات الكثيرة مع الخليط اللوني أسهمت في إثارة فضول الناظر لمراقبة هذه الضربات وكأنه أمام خيوط الفجر الدافئ. هي أعمال تبعث على الرغبة في المتابعة. إلى أين سيصل هذا المزيج وكيف سينتهي؟ لوحة “ارتجاجات ووشوشات” تأخذنا إلى مشاهد الفضاء وفجواته، الخلاء الكبير في السماء، أو تلك البقعة التي تشعرنا بأن السماء تتكلم ونحن نسمع.

ضربات متسعة إلى أقصاها، تجسد الحقيقة الحلمية الكامنة في بال الفنان وتخيلاته. لطخات متجددة ونقاط تتجلى في ذلك الغرام الدائم بين الأرض والسماء، وكأنهما في علاقة رحمية. خفقات لونية، مد وجزر يسكنان الأماكن والوجوه. تتجلى الطبيعة كمساحة لونية أو حيز لوني كامل يتواصل بلطافة.

لا يمكن عدم التوقف أيضاً أمام المنحوتات في الصالة. منحوتات برونزية يعرضها الفنان للمرة الأولى، منتقاة من أعماله بين 1992 و2001. تقدم صورة واضحة عن مراس الحكيم في “الهندسة الجسدية”. هندسة لجسد المرأة وتأريخ لمكامن هذا الجسد وكأن الجماد يصغي للجماد. هي انعكاس لصورة الأنا التي تخرج منا حين نغفو. المرأة كأنها تحمل كثيراً من ملامح حركة الأرض، كأنها طالعة منها كالمنحنيات.

في لوحات مارون حكيم نوستالجيا ظاهرة. لا ننتظر أن نرى كثيراً من الشخصيات لكي نعي ذلك. نظرات المغادرين بالعتمة وفراغ المساحات كفيلان بتقديم هذا. هي تلخيص لرحلة الحياة بحثاً عن شيء مجهول أو عن لا شيء. في متن اللوحة أحاديث وآراء وتصورات عن إشكالات الفنان وأحوال الجوار المعقدة. لوحة غنية بألوانها وأشكالها، ذات مرجعية طبيعية، تسعى إلى فرض انطباعات متعددة.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button