50 عاما من انتظار مترو بغداد ومخططون يشككون برصانة المشروع

أثار الإعلان عن مشروع بناء “مترو بغداد”، بكلفة تخمينية تصل إلى 17 مليار دولار – وفق ما ذكر على لسان مستشار النقل في مجلس الوزراء ناصر الأسدي – وتحويل عقده الاستشاري إلى شركة لبنانية – ماليزية بكلفة 914 مليار دينار عراقي (نحو 750 مليون دولار) بحسب ما ذكر الإعلام الحكومي، وتناقض التصريحات في هذا الشأن، أثار ضجة وريبة واستفهام الرأي العام العراقي. وتحول إلى قضية رأي عام، حتى أصبح الإعلان عن ذلك المشروع قضية يناقشها البرلمان في جلسة علنية.

50 عاماً من الانتظار

استفاق الجمهور العراقي على هذا الحلم الذي انتظره منذ منتصف القرن الماضي، حين عملت الدولة وقتها على تكليف عدد من الشركات الاستشارية العالمية، للتنافس في وضع تصاميم ودراسات أولية تسبق التنفيذ والإحالة إلى التنفيذ. وكان تكليف تحالف الشركات البريطانية (BMCG) والاستشاري السويسري (Swiss Consult) بالعمل على دراسة مخطط النقل السريع لمدينة بغداد (Baghdad RTS)، ومنها “مترو بغداد” في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين اتبعت الدولة العراقية أسلوب التنافس الفني والمالي ما بين الشركات الكبرى لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية، ثم خلصت إلى اقتصار التنافس ما بين أفضل عروض للشركات الثلاث الأولى، ليرسو المشروع على أفضلها.

خطوات عاجلة أم مستعجلة؟

إلا أن العقد الاستشاري وقع خلال أيام، من دون الخضوع للمنافسة، ومن دون المرور بالمرحلة التأهيلية، ومن خلال مخطط جديد مختلف عن الدراسات السابقة التي أنجزتها الشركات العالمية السويسرية والبريطانية ثم الفرنسية في عام 2013 المدفوعة الثمن من الموازنات العراقية، إبان الحكومات المتعاقبة، مما أثار كثيراً من التحفظات والريبة التي زادتها حدة التصريحات المتناقضة لبعض المسؤولين عن تفاصيل المشروع، ومبلغ التعاقد وخبرات الشركات الاستشارية، والاستعجال الذي رافق الإعلان عن مثل هذا المشروع المعقد، والمتعدد المسارات، الذي يربط مناطق العاصمة وأحيائها السكنية الممتدة مساحتها لأكثر من 200 كيلومتر مربع.
وزاد الأمر حيرة وارتباكاً إعلان دعوة المستثمرين والممولين، الذي صدر بعد ثلاثة أيام فقط من قبل هيئة الاستثمار، والمتضمن فتح باب تقديم العروض، إضافة إلى شروط لا تتوافق مع طبيعة المشروع، مما جعل المتخصصين العراقيين من مهندسين وبيوت خبرة، يستغربون ويتساءلون عن مغزى إعلان الاستثمار، من دون استكمال دراسات الجدوى والأعمال الاستشارية، وكيف وضعت الخطط بثلاثة أيام فقط لتحال إلى الاستثمار؟

استشاريون عالميون أم جهود شخصية؟

تدلل الخبرات المعمارية العراقية إلى أن الدراسات السابقة التي أعدت في سبعينيات القرن الماضي قد تضمنت مئات الخرائط وآلاف الصفحات من الوثائق، التي استغرق إعدادها أكثر من خمس سنوات، تخللتها مسوحات موقعية وبحوث ودراسات تخطيطية ومناقشات واجتماعات، امتدت طوال تلك الفترة لغرض وضع المخططات التي تسبق التنفيذ، كما تؤكد لـ”اندبندنت عربية” عالمة عراقية واكبت المشروع منذ السبعينيات من القرن الماضي، لكن هذه المرحلة اختزلت بثلاثة أيام فقط، ليعلن عن دعوة المستثمرين إلى التنافس وتقديم عروضهم خلال فترة لا تتجاوز الأربعة أسابيع من الإعلان، متضمنة دراسة جدوى للمشروع وبرنامجاً زمنياً للتنفيذ.
والغريب أن الدراسات السابقة، التي عمل عليها كبار الاستشاريين العالميين، قد نحيت جانباً لصالح مخططات جديدة، عمل عليها مستشار رئيس الوزراء لشؤون النقل ناصر الأسدي، الذي قال إنه أنجزها “بجهود شخصية”، خلال أقل من عام، وهذه بحد ذاتها مسألة كارثية، وبخاصة أنه أنجزها من دون دراسات ومسوحات موقعية معتمدة، ولا دراسات جدوى طلب من المستثمرين تقديمها خلال أقل من أربعة أسابيع. كما أفاد مستشار النقل ناصر الأسدي في مقابلة تلفزيونية بأن المرحلة الأولى من المترو سيتم افتتاحها قبل نهاية مدة الحكومة الحالية.

مواصفات مترو بغداد

وبحسب التصريحات الحكومية المعلنة، فإن مشروع “مترو بغداد” وفق المخطط الجديد، المعد من مستشار رئيس الوزراء لشؤون النقل، يتكون من سبعة خطوط، و14 محطة طرفية موزعة على مراكز الأحياء السكنية الرئيسة في العاصمة وبطول 148 كيلومتراً، ويمر في مسارات متعددة، بطاقة نقل استيعابية تصل إلى 3 ملايين راكب يومياً، ويغطي 85 في المئة من العاصمة البالغ طولها نحو 50 كيلومتراً. وتدخل مسارات السكة في أنفاق يصل عمقها إلى 20 متراً، لتجنب أي تعارضات مع الشوارع، وخدمات البنى التحتية. وتضم المحطات منشآت لاستقبال القادمين والمغادرين، ومصاعد، وسلالم متحركة وثابتة، ومحال تجارية، ومطاعم، وحمامات، وغرفاً إدارية وخدمية، ومواقف للسيارات والحافلات، ومحطات توليد للكهرباء.
وتتكون محطة المترو من رصيفين للمغادرة والاستقبال، منفصلين تماماً عن بعضهما، كما يضم المشروع ورشاً ومستودعات لصيانة القطارات وغسلها وتنظيفها، وصيانة ممرات سكك الحديد لتغيير المسارات.
وأكد رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني أنه “من أحدث مشاريع المترو في العالم”، وتقدر سرعته بين 80 و140 كيلومتراً في الساعة، وبأن مترو بغداد سيربط بين المدن السكنية الجديدة، ويؤسس لنقلة مهمة في حياة المواطنين في العاصمة التي تجاوز عدد سكانها 8 ملايين نسمة، في الوقت ذاته أعلن عن إنشاء “القطار السريع” بين النجف وكربلاء الذي سيعمل على إنهاء الزخم المروري خلال “الزيارات المليونية” التي تحدث كل عام.
ووصف المهندسون العراقيون تلك التصريحات الحكومية بأنها “تعبر عن أمنيات جميلة وطموحات كبيرة، فإنها لا تستند بالحقيقة إلى وقائع ثابتة ومواصفات معتمدة، بل إن كل ذلك سيحدده المستثمر الذي ستكون له اليد الطولى والكلمة الفصل. ويمكن أن يكون ذلك على حساب الدولة وجيب المواطن، في غياب مخططات مهنية ومواصفات قياسية، معدة من قبل استشاريين عالميين ذوي خبرة يتم تقديم العروض على أساسها”.

الخبرة السابقة على الرف

إن تلك المخططات والمواصفات عمل عليها العراق منذ عقود سابقة وبجدية، لكن الحروب والأزمات السياسية المتلاحقة حالت دون تنفيذها، لحاجتها إلى موازنات ضخمة أنفقت على الحروب ثم الحصار الذي استمر 13 سنة، حتى ظلت تلك المشاريع ومن بينها مشاريع الطرق السريعة، مع كل وسائط النقل، ومشروع مترو بغداد أحدها، حبيسة الأدراج في “مجلس التخطيط الأعلى” سابقاً، ووزارة النقل.

آراء الاستشاريين

الباحث الاستشاري المعماري، تغلب عبدالهادي الوائلي، وهو مخطط مدن وعمل لسنوات في مشروع مخطط النقل السريع لمدينة بغداد (Baghdad RTS) في سبعينيات القرن الماضي، قال لـ”اندبندنت عربية”، “مع احترامي لجهود الحكومة، إلا أن التخلي عن الدراسات السابقة، التي استغرقت سنوات، وعمل عليها مجموعة من الاستشاريين العالميين، لصالح مخطط أولي جديد أعد بسرعة ومن دون دراسات معمقة، ونقاشات إنما هي قرارات متسرعة وذات نتائج غير معروفة وقد تسيء لمستقبل المدينة، إذ إن أهمية مشروع المترو الاستراتيجية تفوق كونه نظام نقل جماعي سريع بين أجزاء المدينة فحسب، بل له فوائد متعددة على الصعد العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ويعد من أهم مشاريع البنى التحتية، فهو يسهم في تخفيف الازدحام المروري وتحسين الوصول والتنقل، إضافة إلى تعزيز النمو الاقتصادي والكفاءة الاقتصادية، والإسهام في التنمية المستدامة، وتحسين جودة الهواء، كما له دور مهم في تعزيز السياحة، وزيادة الأمان، علاوة على ما يوفره تخطيطياً من دعم للتنمية العمرانية المستدامة، والحفاظ على المساحات العمرانية وتعزيز إمكانات التخطيط العمراني”. وأضاف “لذلك فإن استثمارات الحكومات في مشاريع المترو، تعكس التزامها مستقبل أكثر استدامة وشمولية لجميع سكانها، وعلى الجهات التنفيذية المسؤولة اتخاذ كل الاحتياطات والإجراءات، من أجل ضمان أن تكون هذه المشاريع نابعة من دراسات استشارية رصينة، معدة من قبل كبريات الشركات الاستشارية العالمية، وأن تدار بحكمة وروية، لا باعتبارها وسيلة نقل فحسب، بل أحد الأركان المهمة في تحديد مستقبل المدينة”.

وحذر الوائلي من “تداعيات التعامل مع المشاريع الاستراتيجية بطريقة متسرعة من دون إعطائها الوقت الكافي، وعدم سلوك طريق اعتماد الدراسات الرصينة التي تعهد إلى شركات استشارية عالمية يتم اختيار أفضلها خبرة، وأنسبها سعراً، بعد اجتيازها عمليات تأهيل مسبقة، ومن خلال منافسات فنية ومالية، بموجب الخطوات المهنية التي كانت الحكومات العراقية المتعاقبة في القرن الماضي تتبعها بدقة واحترافية، مما أدى إلى حصولنا على أفضل النتائج علاوة على بناء قدراتنا المحلية”.

المشروع المعلن “تخطي المهنية”

ورداً على سؤال يتعلق في رأيه حول ما جاء في التصريحات والإعلانات، التي تتعلق بالمشروع، أجاب الباحث الوائلي الذي قضى ما يقارب نصف قرن في مجال الاستشارات وإدارة المشاريع “أركز دائماً على مبدأ التأهيل المسبق والتأكد من الخبرة المسبقة المماثلة، في النوع والحجم والكلفة، إضافة إلى ضرورة اللجوء الدائم إلى المنافسات الفنية والمالية، لأنه لا يمكننا مطلقاً الحصول على الأفضل والأنسب من خلال الاختيار المباشر للشركات، وما يمكن أن يحمله ذلك من أخطار تتعلق بعدم وجود الخبرة اللازمة وإمكانات نفاذ الفساد. إن ما لاحظته في مواقع الشركات الاستشارية التي تم التعاقد معها، لا يشير إلى امتلاكها خبرة في الإشراف أو التصميم في مشاريع مترو مشابهة، من جهة النوع والحجم والكلفة كي تتكون لدينا الثقة في إمكانية إدارتها لمشروع مترو بغداد، الذي يعد أحد أكبر مشاريع المترو في المنطقة، كما أن عدم وجود عروض مالية منافسة، يجعلنا غير متأكدين من أن هذا العرض مناسب ومنافس من الناحية المالية، قياساً بالواجبات الملقاة عليه. النقطة الأخرى هي أن المقترح الجديد للمترو، كما أعلن عنه، لم يصدر عن جهة استشارية معتمدة، ولا يتضمن أفكاراً أولية عن مسارات الخطوط ومحطاتها، ولا يستند إلى دراسة جدوى معمقة، ومسوحات موقعية محدثة، وتفاصيل فنية ومواصفات محددة، مما يحمل محاذير وعوائق قد تشوب المشروع مستقبلاً، وقد تؤدي إلى مشكلات لوجيستية ومطالبات مالية كبيرة، علاوة على أن عدم وجود خرائط تفصيلية، ومواصفات قد يكون له تأثير كبير في جودة المشروع”.

دعوة الهيئة العامة للاستثمار

أما في ما يتعلق بالدعوة التي صدرت عن هيئة الاستثمار فهي أيضاً مشوبة بكثير من الثغرات، بحسب الوائلي الذي تساءل عما هو دور الاستشاري في المشروع؟ وما إذا كان سيقوم بأعمال التصميم كما أعلن سابقاً، أم بالتدقيق والإشراف لصالح الحكومة فقط، “وإذا كان لن يقوم بأعمال التصميم، ففي هذه الحالة يسمى (ممثل المالك) ومن ثم لا يمكن مهنياً أن يأخذ أتعابه من المستثمر، لوجود تضارب واضح في المصالح. والأمر الآخر اللافت هو أن الإعلان يطلب من المستثمر، أن يقدم مع عرضه دراسة للجدوى، وبرنامجاً للتنفيذ في خلال مدة تقل عن 28 يوماً، ولا أعلم كيف يتمكن أي مستثمر من دراسة المشروع وإنجاز دراسة جدوى وعمل فريق للتصميم والتنفيذ والتمويل خلال هذ الأسابيع الأربعة لمشروع كلفته قد تصل إلى 20 مليار دولار؟ والنقطة الأخيرة أيضاً مرتبطة بذلك، وهي أن الدعوة تشترط تحمل المستثمر كلفة أي تعارضات أو استملاكات قد تواجه المشروع، فهذه الأمور أولاً هي مسؤولية الدولة، وثانياً هي أمور غير معروفة العدد والطبيعة والموقع، لأنه لا توجد مخططات معتمدة مبنية على دراسات، فكيف يمكن أن يتحملها المستثمر ومن الناحية القانونية فهي مسؤولية الحكومة”.

ويختتم الوائلي حديثه بالقول إن “كل ما أشرت إليه أعلاه يتعارض مع الأصول والمعايير القانونية والمهنية، من ثم سيؤدي إما إلى تقديم عروض مبالغ فيها ومرتفعة القيمة، من قبل المستثمرين أو عزوف كبريات الشركات العالمية الجادة عن تقديم عروضهم، وقد يؤدي ذلك من ثم في حال تنفيذه إلى تعرض المشروع إلى أخطار تتمثل في خفض الجودة والاستدامة أو التأخير أو حتى التوقف”.

الشفافية الغائبة

وكشف الإعلان الحكومي عن انتهاج سياسة تتمثل في عدم الشفافية، وتكليف شركات لا خبرة لها من طريق التكليف المباشر، بغرض الإسراع في تسجيل الإنجازات سياسة محفوفة بالأخطار، إذ لا يمكن إقناع المواطن من طريق الاحتفالات الرسمية الباذخة، والفيديوهات الدعائية، إذ يؤكد متخصصون تابعوا الإعلان عن مترو بغداد الموعود منذ 50 عاماً، أن الطريق الصحيح لإخراجه إلى الوجود يتم باعتماد الشفافية، والعمل على إعلان المنافسات الفنية والمالية، فهو عاجلاً أم آجلاً سيقارن مع مشاريع دول الجوار من نواحي الجودة والكلفة، فالمعلومات أصبحت متاحة بكبسة زر. وكي لا تفقد الحكومة صدقيتها وتكسب ثقة المواطن، عليها أن تتريث في اتخاذ القرارات، لأنها تتعلق بمستقبل البلد عموماً، ومدينة بغداد خصوصاً، وينبغي عليها التأكد من أن المشروع أو الاستشاري والمقاول والمستثمر، الذي تجيز عمله، هو الأفضل من جهة الجودة والخبرة، والأنسب من جهة الكلفة والسعر، قبل أن يكون الأسرع في الإنجاز، وهذا لا يتحقق إلا من خلال المنافسات الفنية والسعرية، ما بين كبريات الشركات بعد تأهيلها، والتأكد من إمكاناتها المالية والفنية وسابق خبراتها.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button