لماذا نجح “سيناريو الفوضى”.. في الساحة الليبية؟

ربما كانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كونداليزا رايس، أول من استخدم تعبير “الشرق الأوسط الكبير”؛ وذلك بعد صدور أول مخطط مكتوب من وزارة الدفاع الأمريكية، ومستشار الأمن القومي بريجينسكي، في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر. وقد نُقِل عن هذا الأخير قوله: “إن المطلوب إشعال حرب خليجية ثانية، تستطيع الولايات المتحدة توظيفها لتصحيح اتفاقية سايكس – بيكو، وتنفيذ خطة برنارد لويس القاضية بتقسيم عدد من الدول العربية إلى مجموعة دويلات صغيرة”.

ولم يكن بريجينسكي يتحدث عن مجرد فكرة أو مشروع قدمه برنارد لويس، ولكنه أشار إلى “خطة لويس” التي أقرها الكونغرس الأمريكي بالإجماع، في عام 1983، وتم بذلك تقنين هذه الخطة، واعتمادها في ملفات السياسة الخارجية الأمريكية الاستراتيجية.

الفوضى الخلاقة

ومثلما كانت كونداليزا رايس، أول من استخدم تعبير “الشرق الأوسط الكبير” فقد كانت أيضا أول من أذاع تعبير “الفوضى الخلافة”؛ وذلك عندما سُئلت عن الفوضى التي يُمكن أن يولدها التدخل الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط؛ حينها قالت: “إن الوضع الحالي ليس مستقرًا، وإن الفوضى التي تُنتجها عملية التحول الديمقراطي في البداية، هي فوضى خلاقة، ربما تُنتج في النهاية وضعا أفضل من الذي تعيشه حاليًا”.

بهذا التصريح الذي أدلت به مُستشارة الأمن القومي، ووزيرة الخارجية الأمريكية، في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، اعتبر البعض أن كونداليزا رايس هي “مهندسة” الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط. لكن الحقيقة أن هذه الفكرة، التي تُمثل واحدة من أهم الاستراتيجيات الأمريكية الخاصة بالمنطقة، تعود إلى مايكل ليدن، الخبير والمفكر الاستراتيجي الأمريكي في معهد “أمريكا إنتربرايز”، الذي كان أول من صاغ مفهوم هذه النظرية، في عام 2003.

لقد وضع ليدن هذه الرؤية كـ”خطة جديدة” للولايات المتحدة الأمريكية، وكمقترح من أجل إدارة أهم المناطق حساسية في العالم، وهي الشرق الأوسط، بعد أن لاحظ ارتباك السياسة الأمريكية في هذه المنطقة، وأعطاها تسميات مرادفة، منها: “التدمير والبناء”، “الفوضى البنَّاءة”؛ وذلك في المشروع الذي وضعه تحت مُسمى “التغيير الكامل في الشرق الأوسط”، وفقًا لاستراتيجية جديدة تقوم على أساس الهدم، ثم إعادة البناء.

في هذا السياق، يحاول البعض ممن تكسبوا في ظل أنظمة حكم عربية استبدادية سابقة، تشويه ثورات الربيع العربي، ووصفها بأنها مجرد مؤامرة أمريكية لتنفيذ خطة لويس واستراتيجية ليدن؛ وعلى رأس هؤلاء يأتي وزير الداخلية المصري الأسبق، حبيب العادلي، الذي حاول في إحدى جلسات محاكمته تصوير ثورة الشباب المصري، في 25 يناير 2011، بأنها “مؤامرة”.

وإذا استعرنا مقولة: “ليس كل التاريخ مؤامرة، ولكن المؤامرة موجودة في التاريخ”؛ يمكننا القول بأن نقطة انطلاق “الشرق الأوسط الكبير” كانت قد تمثلت في الاجتياح الأمريكي للعراق، قبل أن تنطلق ثورات الربيع العربي بأكثر من عشرين عامًا؛ أما الإفصاح عن “الفوضى الخلاقة” فقد كانت في لبنان، ولم يكن العراق أو لبنان ضمن الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي.

لكن هذا لا ينفي أن مُخططي السياسة الأمريكية لم يستفيدوا من هذه الثورات، من أجل تنفيذ استراتيجية “الفوضى الخلاقة” لتحقيق الهدف الأكبر في “الشرق الأوسط الكبير”. ومن ثم، يصبح التساؤل هو: لماذا نجحت فكرة الفوضى في دولة مثل ليبيا؟ّ

الفوضى في ليبيا

في ما يتعلق بالساحة الليبية، فإن أول ما يطالعنا، في هذا الشأن، هي الاتجاهات الانفصالية التي تتبناها جماعات جهوية، حيث عادت إلى الواجهة الأفكار الخاصة بإنشاء ثلاثة أقاليم فيدرالية، في الشرق والغرب والوسط؛ وهو ما يُنبئ عن اتجاهات تستهدف تقسيم الدولة الليبية، أو على الأقل تمزيق النسيج الاجتماعي الليبي بشكل يؤدي إلى تقوية النفوذ القبلي والجهوي، واستقلال الكتل الاجتماعية بالإقليم التي تعيش على أرضه.

والمثال الواضح هنا هو إعلان إقليم برقة، وتشكيل الحكومة الخاصة به؛ تلك التي استطاعت تحدي الحكومة المركزية، وتقوم بتصدير شحنة النفط الشهيرة، على متن ناقلة النفط الكورية الشمالية.

والواقع أن هذه الإشكالية ليست الوحيدة التي ساهمت في حالة الفوضى التي تشهدها ليبيا، لكن هناك الإشكالية الأهم في هذا السياق، بل النقطة المركزية في الأزمة الليبية، هذه النقطة التي تتسع الدائرة حولها وتتمدد؛ تبعًا لمصالح القوى الأكثر اهتمامًا بما يجري على الساحة هناك، ونعني بها الميليشيات المسلحة.

فـ”الاحتراب” بين الليبيين لم يحدث فجأة، ولم تنطلق شرارته مع انفجار معركة مطار طرابلس، منذ سنوات، بين ميليشيات فجر ليبيا ونظيراتها القادمة من الزنتان، على أهميتها؛ كما لم يكن السبب فيه اقتحام اللواء خليفة حفتر المشهد الليبي، لتدخل البلاد في دوامة التجاذبات الدولية والتدخلات الإقليمية. لقد سبقت كل ذلك خلافات وصراعات، عززها عجز الدولة، وتغوّل الميليشيات عليها ومصادرة دورها.

الميليشيات المُسلحة

إذ، من بين الدول العربية التي شهدت ثورات على أنظمة الحكم فيها، وإسقاط رءوسها، انفردت ليبيا بظاهرة الميليشيات المسلحة. وهي الظاهرة التي ساهمت في ذلك التدهور الأمني وعدم الاستقرار السياسي طوال السنوات اللاحقة على سقوط القذافي ونظام حكمه. ولعل نشوء هذه الظاهرة يعود إلى عدد من الأسباب، منها: لجوء القذافي إلى القوة المسلحة لقمع المنتفضين ضده؛ هذا بالإضافة إلى قيام حلف الناتو بإمدادهم بالمال والسلاح لحسم “المعركة” ضده.

ذلك وإن كان يُشير إلى بعض أسباب نشأة الميليشيات المسلحة على الأرض الليبية، فإن استمرارها وتغولها، بهذا الشكل الذي نراه الآن، يعود إلى أسباب أخرى، أهمها: أن السلطات الانتقالية الضعيفة في ليبيا، بعد سقوط القذافي، كانت قد اعتمدت على الميليشيات لتعزيز شرعيتها، وهو ما تبدى بوضوح في تعاقدها معها للمساعدة في حفظ الأمن. وهنا لنا أن نتذكر كيف تشكلت ميليشيات “درع ليبيا” تحت إشراف وزارة الدفاع، وكيف تشكلت ميليشيات “اللجنة الأمنية العليا” تحت إشراف وزارة الداخلية، في حكومة الوفاق الوطني السابقة، التي كان يترأسها فائز السراج.

بل إن ما يُثير الدهشة والتأمل هنا، أن الميليشيات أصبحت في وقت لاحق بديلًا عن الجيش في تنفيذ المهمات الأمنية التي تحتاجها الحكومة، وفي مُقدمتها تأمين الحماية لمنشآت الدولة نفسها.

ورغم أن الهدف كان خطوة مرحلية إلى حين بناء الجيش والشرطة، إلا أن الميليشيات ظلت أقوى من أجهزة الدولة، لأنها أصبحت تُشكل ـ مع امتداد الصراع الداخلي ـ أذرعًا مسلحة لفئات قبلية أو جهوية أو سياسية مؤثرة. والأغرب أن كل مجموعة من تلك الميليشيات التي كثُرَ عددها، يندرج تحتها فصائل وتنظيمات، بعضها ذو طابع قبلي، وبعضها منسوب لمدينة أو جهة ما؛ كما أن بعضها أصبح يُكَوِّن أذرعا عسكرية لحركة معينة أو تشكيلة سياسية محددة داخل ليبيا.

الانقسام السياسي

وهكذا.. مع بروز الميليشيات والمجموعات المسلحة في المشهد الليبي، ووقوفها خلف عددٍ من القرارات الساسية، وتمكنها من السيطرة على بعض الموارد الاقتصادية لهذا البلد العربي النفطي المهم، بدأت الأزمة الليبية تتجه نحو الاحتراب الداخلي، بعد أن اتخذ كل فريق، سياسي أو قبلي أو جهوي، المجموعات المسلحة ظهيرًا له.

وبدلا من أن تُقدم القوى السياسية الحلول الناجعة لذلك التدهور الأمني والعسكري، الذي تعيشه البلاد؛ فقد ساهمت على العكس من ذلك، في ازدياد حالة التوتر والاحتقان السياسي عبر الخلافات المستمرة، والتجاذبات حول المصالح من مختلف التوجهات.

وهذا ما يدل عليه ويؤكده، المشهد الليبي الراهن؛ الذي يبدو مُلتبسًا إلى حد كبير، نتيجة لكثرة الكتائب والميليشيات المُسلحة بالشكل الذي أدى إلى تحول الفراغ السياسي الذي تعيشه البلاد إلى صراع مُسلح؛ وهو الصراع الذي يُعبر عن الإشكال الليبي الذي هو في حقيقته إشكال سياسي بامتياز.

Related Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى